الشنقيطي
132
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
أنه لا يشمله عموم وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ [ الأنبياء : 34 ] ولا عموم حديث : « أرأيتكم ليلتكم هذه فإنه على رأس مائة سنة لم يبق على ظهر الأرض أحد ممن هو عليها اليوم » « 1 » كما تقدم . قال أبو عبد اللّه القرطبي في تفسيره رحمه اللّه تعالى « 2 » : ولا حجة لمن استدل به - يعني الحديث المذكور على بطلان قول من يقول : إن الخضر حي لعموم قوله « ما من نفس منفوسة . . » لأن العموم وإن كان مؤكد الاستغراق ليس نصا فيه ، بل هو قابل للتخصيص ، فكما لم يتناول عيسى عليه السلام فإنه لم يمت ولم يقتل ، بل هو حي بنص القرآن ومعناه . ولا يتناول الدجال مع أنه حي بدليل حديث الجساسة : فكذلك لم يتناول الخضر عليه السلام ، وليس مشاهدا للناس ، ولا ممن يخالطهم حتى يخطر ببالهم حاله مخاطبة بعضهم بعضا ، فمثل هذا العموم لا يتناوله . وقيل : إن أصحاب الكهف أحياء ، ويحجون مع عيسى عليه السلام كما تقدم . وكذلك فتى موسى في قول ابن عباس كما ذكرنا اه منه . قال مقيده عفا اللّه عنه وغفر له : كلام القرطبي هذا ظاهر السقوط كما لا يخفى على من له إلمام بعلوم الشرع ، فإنه اعترف بأن حديث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عام في كل نفس منفوسة عموما مؤكدا ، لأن زيادة « من » قبل النكرة في سياق النفي تجعلها نصا صريحا في العموم لا ظاهرا فيه كما هو مقرر في الأصول . وقد أوضحناه في سورة « المائدة » . ولو فرضنا صحة ما قاله - القرطبي رحمه اللّه تعالى من أنه ظاهر في العموم - لا نص فيه ، وقررنا أنه قابل للتخصيص كما هو الحق في كل عام ، فإن العلماء مجمعون على وجوب استصحاب عموم العام حتى يرد دليل مخصص صالح للتخصيص سندا ومتنا ؛ فالدعوى المجردة عن دليل من كتاب أو سنة لا يجوز أن يخصص بها نص من كتاب أو سنة إجماعا . وقوله : « إن عيسى لم يتناوله عموم الحديث » فيه أن لفظ الحديث من أصله لم يتناوله عيسى ، لأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال فيه : « لم يبق على ظهر الأرض ممن هو بها اليوم أحد » « 3 » ؛ فخصص ذلك بظهر الأرض فلم يتناول اللفظ من في السماء ، وعيسى قد رفعه اللّه من الأرض كما صرح بذلك في قوله تعالى : بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ [ النساء : 158 ] وهذا واضح جدا كما ترى . ودعوى حياة أصحاب الكهف ، وفتى موسى ظاهرة السقوط ولو فرضنا حياتهم فإن الحديث يدل على موتهم عند المائة كما تقدم ، ولم يثبت شيء يعارضه .
--> ( 1 ) سبق تخريجه . ( 2 ) الجامع لأحكام القرآن 11 / 42 ، 43 . ( 3 ) سبق تخريجه .